ابن عجيبة

503

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الملائكة ؛ لأنهم أشرف شركائهم ، والصالحون للخطاب منهم . قالُوا سُبْحانَكَ ؛ تنزيها لك أن يعبد معك غيرك . أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ؛ أنت الذي نواليه من دونهم ، لا موالاة بيننا وبينهم . والموالاة خلاف المعاداة ، وهي مفاعلة من الولي ، وهو القرب . والولىّ يقع على الموالي والموالي جميعا . فبينوا بإثبات موالاة اللّه تعالى ومعاداة الكفار : براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم ؛ فإنّ من كان على هذه الصفة ، كانت حاله منافية لذلك . ثم قالوا : بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي : الشياطين ، حيث أطاعوهم في عبادة غير اللّه ، أو : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام ، إذا عبدت ، فيعبدون بعبادتها ، أو : صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن ، وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها . أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ أي : أكثر الإنس ، أو : الكفار ، بِهِمْ ؛ بالجن مُؤْمِنُونَ ؛ مصدقون لهم فيما يأمرونهم به . والأكثر هنا بمعنى الكل . قال تعالى : فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؛ لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده ، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد ؛ لأن الدار دار ثواب وعقاب ، والمثيب والمعاقب هو اللّه ، فكانت حالها خلاف حال الدنيا ، التي هي دار تكليف ، والناس فيها مخلىّ بينهم ، يتضارون ، ويتنافعون ، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط . ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله : وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بوضع العبادة في غير موضعها : ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدنيا . الإشارة : ما أحببت شيئا إلا وكنت له عبدا ، ولا يحب أن تكون لغيره عبدا ، فإذا تحققت الحقائق ، التحق كل عابد بمعبوده ، وكل حبيب بمحبوبه ، فيرتفع الحق بأهله ، ويهوى الباطل بأهله . وكل ما سوى اللّه باطل ، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها ، وتعلق بالباقي ، دون الفاني ، ولا تتعلق بشئ سوى المتكبر المتعالي . قال القشيري : قوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ . . إلخ ، الإشارة في هذا : أنّ من علّق قلبه بالأغيار ، وظنّ صلاح حاله في الاختيار ، والاستعانة بالأمثال والأشكال ، نزع اللّه الرحمة من قلوبهم ، وتركهم ، وتشوش أحوالهم ، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة ، ولا لهم في عقولهم استبصار ، ولا إلى اللّه رجوع ، فإن رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم ، ويقول : ذوقوا وبال ما به استوجبتم هذه العقوبة . ه . قلت : قوله : « فإن رجعوا لا يرحمهم » يعنى أنهم فزعوا أولا إلى المخلوق ، فلما لم ينجح مسعاهم ، رجعوا إلى اللّه ، فلم ينفعهم ، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم . وقال أيضا : ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال . وفي بعض الأخبار : أن عبيدا يسألهم الحق غدا ، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون : يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة ، ولا تعذبنا بهذا السؤال . ه . وباللّه التوفيق .